أبي الفرج الأصفهاني

195

الأغاني

لا يكني ؛ فداخلني ما لم أملك نفسي معه ؛ فقلت له : أنت تشتمني ، وأنا لا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة ، ولولا ذلك لكنت أقول لك : يا بن الزّانية ؛ أو ترى أنّي كنت لا أحسن أن أقول لك : يا بن الزانية ؛ ولكن قولي في ذمّك ينصرف جميعه إلى خالك الأعلم [ 1 ] ، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق : وكان ببطارا - قال : ثم سكتّ ، وعلمت أنّ إبراهيم يشكوني وأن الرشيد سوف يسأل من حضر مما جرى فيخبرونه ، فتلافيت ذلك [ 2 ] ، ثم قلت : أنت تظنّ أنّ الخلافة تصير إليك فلا تزال تهدّدني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر ! فأنت تضعف عنه وعنهم وتستخفّ بأوليائهم تشفّيا ؛ وأرجو ألَّا يخرجها اللَّه عن يد الرشيد وولده ، وأن يقتلك دونها ؛ فإن صارت إليك - وباللَّه العياذ - فحرام عليّ العيش يومئذ ، والموت أطيب من الحياة معك ، فاصنع حينئذ ما بدا لك . قال : فلمّا خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه فقال : يا أمير المؤمنين ، شتمني وذكر أمّي واستخفّ بي ؛ فغضب وقال : ما تقول ؟ ويلك ! قلت : لا أعلم ، فسل من حضر ؛ فأقبل على مسرور [ 3 ] وحسين ؛ فسألهما عن القصّة ؛ فجعلا يخبرانه ووجهه يتربّد [ 4 ] إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة ، فسرّي عنه ورجع لونه ، وقال لإبراهيم : ماله ذنب ، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك ، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا . فلما انقضى المجلس وانصرف الناس ، أمر بألَّا أبرح ، وخرج كلّ من حضر حتى لم يبق غيري ؛ فساء ظنّي وأهمّتني نفسي ؛ فأقبل عليّ وقال : ويلك / يا إسحاق ! أتراني لم أفهم قولك ومرادك ! قد واللَّه زنّيته [ 5 ] ثلاث مرات ، أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت ! ويلك ! لا تعد ؛ حدّثني عنك ، لو ضربك إبراهيم ، أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل ؟ ! أتراك لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك ؟ ! فقلت : يا أمير المؤمنين ، قد واللَّه قتلتني بهذا الكلام ، ولئن بلغه ليقتلنّي ، وما أشك في أنه قد بلغه الآن ؛ فصاح بمسرور الخادم وقال : عليّ بإبراهيم الساعة فأحضر ، وقال : قم فانصرف ؛ وقلت لجماعة من الخدم ، وكلَّهم كان لي محبّا وإليّ مائلا ولي مطيعا : أخبروني بما يجري ، فأخبروني من غد أنه لمّا دخل وبّخه وجهّله وقال له : أتستخفّ بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن نديمي / وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي ، وتقدم عليّ وتستخفّ بمجلسي وحضرتي ؟ هاه هاه [ 6 ] . ! أتقدم على هذا وأمثاله ! وأنت مالك وللغناء ، وما يدريك ما هو ! ومن أخذك [ 7 ] به وطارحك إياه حتى تتوهّم أنك تبلغ مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلَّمه وهو صناعته ! ثم تظن أنك تخطَّئه فيما لا تدريه ، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه ! أليس هذا مما يدلّ على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك وغلبة لذّتك على مروءتك وشرفك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه ، وادّعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى الجهل المفرط ! ألا تعلم - ويلك - أنّ هذا سوء أدب وقلَّة معرفة وقلة مبالاة بالخطأ والتكذيب والردّ القبيح ! . ثم قال : واللَّه العظيم وحقّ رسوله ، وإلا فأنا نفيّ من المهديّ ، لئن أصابه

--> [ 1 ] الأعلم : الذي بشفته العليا أو في جانبيها شق . [ 2 ] عبارة « مختار الأغاني » لابن منظور : « فتلافيت ذلك بأن قلت . . . » . [ 3 ] مسرور وحسين : خادمان كانا للرشيد . [ 4 ] تريد وجهه : تغير وتعبس . [ 5 ] زناء ( بالتشديد ) : قذفه ونسبه إلى الزنا . [ 6 ] هاه هاه : تكون حكاية لضحك الضاحك وللوعيد . وتكون أيضا في موضع آه التي للتوجع . [ 7 ] كذا في ح والمختصر . وفي سائر الأصول : « ومن أخذ لحنه وطارحك . . . إلخ » .